- فبراير 25, 2025
- tunisieagriculture

تعتبر زراعة الحبوب من أهم الممارسات الفلاحية في العالم التي يعتمد عليها الإنسان كمصدر رئيسي للغذاء، لكنها دوما عرضة للإصابة بأمراض تهدد المحاصيل و بالتالي الأمن الغذائي، مثل صدا الساق الأسود، واحد من أخطر أمراض الصدأ التي تصيب محاصيل الحبوب في جميع أنحاء العالم، خاصة القمح و الشعير.
تظهر أعراض هذا المرض بوجود أبواغ ذات اللون الصدئي أو الأسود على الساق و الأوراق لنباتات القمح و الشعير، و التي ينتجها فطر Puccinia graminis الذي كان تاريخيا يعرف كمسبب دمار شديد للمحاصيل و كـان أكثر الأمراض تخويفا في مختلف البلدان في جميع القارات حيث يزرع القمح، فإذا لم تتم مكافحته بشكل فعال، يفتك الصدأ الأسود بالمحاصيل مسببا خسائر كبيرة.
فطر Puccinia graminis هو طفيل إجباري التطفل يحتاج إلى أنسجة نبات حية للتواجد، و التي تحمله الرياح لمسافات طويلة، مما يجعل المرض سريع الإنتشار ، و ينتشر أيضا عن طريق الآلات و الأدوات الفلاحية، الملابس و الأحذية.
يصيب هذا الفطر النباتات من خلال الفتحات الطبيعية على سطح الورقة. ولا يظهر على نباتات القمح أعراض واضحة إلا بعد مرور 7 – 15 يوم من الإصابة. تتطلب الإصابة به توافر بيئة مناسبة من حيث الرطوبة العالية ودرجات الحرارة المعتدلة (15-30 درجة مئوية). و تشير كذلك دراسات حديثة إلى أن انتشار الفطر يزداد في ظل التغيرات المناخية، مما يهدد إنتاج الحبوب عالميا.
وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن أمراض الصدأ يمكن أن تؤدي إلى خسائر تصل إلى 50% من المحصول في المناطق الموبوءة إذا لم تُتخذ تدابير المكافحة المناسبة. تبدأ الإصابة بظهور بقع صفراء باهتة، يعقبه ظهور بثرات يوريدية مسحوقية ، مستطيلة الشكل ، لونها بني محمر ، مبعثرة في خطوط طولية موازية لمحور الساق و العرق الوسطي للأوراق ، يتكون بداخل البثرة الجراثيم اليوريدية ، و يختلف حجم هذه البثرة بإختلاف درجة مقاومة النبات للمرض.



عند إكتمال تكوين البثرة و نضج الجراثيم اليوريدية، تتشقق الأنسجة المصابة، مما يؤدي إلى انتشار الأبواغ وتفاقم المرض. و يبدأ المرض أساسا في الساق ثم يمتد بصورة أقل إلى الورقة و يصل أحيانا إلى السنبلة.
في آخر موسم النمو تتكون البثرات التيليتية و هي نادرة التواجد و تشبه في شكلها إلى حد كبير البثرات اليوريدية ، لونها بني داكن تتحول إلى اللون الأسود ، وتتكون غالبا على أغماد الأوراق وتكون سوداء لامعة وغير متشققة.

تؤدي هذه الجراثيم إلى ضعف عام للنبات نتيجة تضرر الأنسجة الناقلة للماء والعناصر الغذائية، وانحناء أو كسر في السيقان بسبب تدهور قوتها، مما يؤدي إلى خسارة جزء كبير من المحصول.
الظروف التي تعزز الإصابة بالصدأ الأسود:
- الحرارة الدافئة (18 – 20 درجة مئوية) و ارتفاع نسبة الرطوبة.
- عدم استخدام بذور مقاومة للمرض.
- عدم اتباع دورة زراعية مناسبة: طول مدة النمو الخضري ، تأخير الزراعة ، الأصناف متأخرة النضج ، الزراعة الكثيفة ، و زيادة التسميد النيتروجيني.
- الاعتماد على طرق الري التي تزيد من رطوبة النباتات لفترات طويلة.
طرق الوقاية والمكافحة:
- زراعة أصناف مقاومة للمرض: أظهرت دراسة في Crop Protection أن زراعة أصناف مقاومة يمكن أن تقلل من انتشار المرض بنسبة % 70. و تعد تربية الأصناف المقاومة للتكاثر من أكثر الطرق الاقتصادية و الصديقة للبيئة لمعالجة هذه المشكلة الكبيرة.
- التخلص من بقايا المحاصيل المصابة: حرث الأرض وحرق المخلفات الزراعية لتقليل مصادر العدوى.
- اتباع دورة زراعية سليمة: تجنب زراعة نفس المحصول في نفس الأرض لعدة سنوات متتالية.
- استخدام مبيدات الفطريات
- مراقبة الحقول باستمرار: للكشف المبكر عن الأعراض واتخاذ إجراءات المكافحة في الوقت المناسب.-
- ترشيد التسميد النيتروجيني.
- تجنب الزراعة الكثيفة و الإعتدال بالري خاصة قرب نضج المحصول.
وهنا لا بد أن نذكر تعرض سوريا لتفش كبير لمرض الصدأ الأصفر سنة 2010، حيث بدأت الإصابة في شهر جانفي من ذلك العام وانتشرت خلال الأشهر التالية بسبب الظروف المناخية الملائمة، مثل الرطوبة العالية ودرجات الحرارة المناسبة. أدى هذا التفشي إلى تقليص إنتاج القمح في البلاد بشكل ملحوظ.
وعلى الرغم من وجود عدد كبير من المتخصصين في هذا المجال، إلا أن الاستجابة من الجهات المعنية كانت متأخرة وغير فعّالة. تم عقد مؤتمرات وتشكيل لجان لمواجهة الأزمة، ولكن هذه الجهود جاءت بعد فوات الأوان. افتقرت وزارة الزراعة في ذلك الوقت إلى أنظمة الإنذار المبكر للأمراض الزراعية، مما ساهم في تفاقم الوضع وصعوبة السيطرة على انتشار المرض.
هذا الحدث أبرز الحاجة الملحّة لتطوير أنظمة إنذار مبكر فعّالة وتدريب الكوادر الزراعية على التعامل السريع مع مثل هذه الأوبئة لحماية المحاصيل الاستراتيجية وضمان الأمن الغذائي.
ختاما، يعد صدأ الساق الأسود تهديدًا خطيرًا للأمن الغذائي العالمي، حيث يمكن أن يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المحاصيل إذا لم تتم إدارته بشكل صحيح. و قد أظهرت دراسة في Food Security Journal أن تحسين استراتيجيات المقاومة والمكافحة قد يقلل من خسائر الإنتاج بنسبة تصل إلى 40%. من خلال اتباع أساليب الوقاية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في استنباط أصناف مقاومة، يمكن تقليل تأثير المرض وضمان إنتاج محاصيل صحية ومستدامة.